|
لا شك أن اكتشاف الأعشاب الطبية و معرفة خواصها و فوائدها كان نقلة كبرى في عالم الطب .و الحقيقة أن قصة الإنسان مع الأعشاب و استخدامها في معالجة الأمراض قديم و يعود للعصور الأولى ، فقد سجل الفراعنة في بردياتهم بعضا من أعشابهم التي استخدموها في العلاج ، فقد اكتشفت من هذه البرديات بردية "هيرمس" و بردية "آرون سميث" و بردية "أبرس" .
كما عرف الهنود القدماء الأعشاب و برعوا بها ، نذكر كتابهم المسمى "ريجنيدا" و الذي ذكر خصائص شفائية لأعشاب كثيرة ثم تطور الطب عند الهنود على يد البراهمة أنفسهم . و يقابل كتاب "ريجنيدا" عند الهنود كتاب "زندافستا" عند الفرس .
و في اليونان القديمة وضع كثير من الحكماء عدة مؤلفات تعالج بالأعشاب و النباتات المختلفة ، كان ذلك في القرنين الرابع و الخامس قبل الميلاد .و نذكر من هؤلاء الحكماء "هيبوقراط" "ريسكوريدس" و "كالينوس" .
أما العرب فقد كان للأطباء العرب باعا طويلا و واسعا في المعالجة بالنباتات و الأعشاب ، فالشيخ ابن سينا ألّف كتابه المشهور "القانون" و الذي قسّم فيه الألم إلى 15 درجة و سجل لعلاج الأمراض فيه ما يزيد على 760 دواء ، كما أن هناك من أطباء العرب "ابن البيطار" و هو أول عالم عربي ألمّ بخواص النباتات و وضع فيها كتابه "الجامع الكبير" الذي احتوى وصفا دقيقا لألفين منها ، ثم كتاب "المغني في الأدوية المفردة" و كتاب "الأفعال الغريبة و الخواص العجيبة" و أخيرا كتابه "الدرة البهية في منافع الأبدان الإنسانية"، و هناك أيضا "سابور بن سهل" و هو أوّل طبيب عربي يضع دستورا للأدوية ، ثم جاء "الرازي" و قد وضع أول كتاب عن الأعشاب اليونانية بالفارسية و أسماه "كتاب الأبنية عن حقائق الأدوية" و قد وصف فيه ما يقرب من 585 عشبة .و كتاب داود الأنطاكي المسمى "تذكرة داود" و هو كتاب مشهور يعرفه العامة قبل الخاصة و كان دستورا للعلاج و الشفاء لأزمنة طويلة و لا يزال هذا الكتاب مرجعا لكل من يعمل بالطب .
أما الآن فلا شك أن الطب قد تقدم لآفاق ما كنا نحلم بها ، و لكن كيف حالنا مع المرض ؟ كان المتوقع أن يتراجع المرض أمام هذه الثورة الكاسحة ، و لكن كان الذي حدث هو العكس تماما ، فقد عرف الإنسان الحديث أمراضا لم تكن معروفة أو منتشرة من قبل ، و دخلنا عصر الأمراض المزمنة ، فالسكر و الروماتيزم و ارتفاع ضغط الدم و النقرس و أمراض الحساسية و غيرها الكثير ، كلها أمراض مزمنة ، و السبب يعود لأمرين ، أولهما : أن الطب قد اتجه لعلاج الأمراض دون أن يهتم بصحة الجسم السليم فيقويها و يدعمها ، و ثانيها : العقاقير ، فالإنسان بعد التقدم الصناعي و الكيمائي الضخم فكّر في استخلاص الجزء الفعال فقط من النبات أو العشب و إعطاؤه للإنسان في صورة مركزة على هيئة حقن أو أقراص أو شراب مما جعل له تأثيرا ضارا بخلايا الجسم سواء السليم منها و المريض ، بينما قد أبت حكمة الله تعالى إلا أن تجعل هذه المادة الفعالة في النبات أو العشب مخففة سهلة يمكن للجسم التعامل معها في صورتها الطبيعية ، بل و أن تجمع العشبة الواحدة بين عدة مواد تنسحب في معالجتها على عدة أمراض فتشفبها جميعا .
إن طب الأعشاب يكمل العلاجات التقليدية في الغالب، فيوفر أدوية مأمونة تحتمل جيداً للأمراض المزمنة، وهو يشهد اليوم نهضة مثيرة في البلدان الغربية، ومرد ذلك إلى عدم وجود علاج تقليدي فعَال حتى الآن لكثير من الأمراض المزمنة، مثل الربو والتهاب المفصل والقولون وغيرها. كما أن القلق من الآثار الجانبية للطب الحيوي يشجع الناس على البحث عن أشكال علاج أكثر لطفاً.
تتوقف قدرة الدواء العشبي في التأثير على أنظمة الجسم على المكوَنات الكيميائية التي يحتوي عليها، وعلى الرغم من أهمية فهم أفعال المكوَنات الفردية الفعَالة، فأن طب الأعشاب يعنى في نهاية المطاف باستخدامات وأفعال النباتات بأكملها.
تضم النباتات مئات، إن لم يكن آلاف المواد الكيميائية المكوَنة التي تتفاعل بطرق معقدة ، ومن المألوف ألا نعرف بالتفصيل كيف تعمل نبتة معينة ، رغم أن فائدتها الطبية مثبتة.
إن جسم الإنسان يتوافق مع العلاج بالأدوية العشبية بشكل أفضل من العلاج بالأدوية الكيميائية المعزولة، فقد تطورنا جنباً إلى جنب على مدى عشرات الآلاف من السنين ، وقد تكيف جهازنا الهضمي وفيزيولوجيا جسمنا ككل مع هضم وتمثيل الأغذية النباتية التي غالباً ما يكون لها قيمة طبية إلى جانب قيامها بأودنا.
|